ابن أبي الحديد
78
شرح نهج البلاغة
من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ، ما جاوب الصدى ، وسقط الندى ، وعرف الهدى ، حملهم على ذلك البغي والحسد ، فنستعين الله عليهم . أيها الناس ، قد علمتم أنى خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان عليكم ، وأنى لم أقم رجلا منكم على خزاية ( 1 ) قط ، وأنى ولى عثمان ، وقد قتل مظلوما ، والله تعالى يقول : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) ( 2 ) ، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقام أهل الشام بأجمعهم ، فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان ، وبايعوه على ذلك ، وأوثقوا له على أن يبذلوا بين يديه أموالهم وأنفسهم ، حتى يدركوا بثأره أو تلتحق أرواحهم بالله . قال نصر : فلما أمسى معاوية اغتم بما هو فيه ، وجنه الليل وعنده أهل بيته ، فقال : تطاول ليلى واعترتني وساوسي * لات أتى بالترهات البسابس ( 3 ) أتاني والحوادث جمة * بتلك التي فيها اجتداع المعاطس أكايده والسيف بيني وبينه * ولست لأثواب الدنئ بلابس إن الشام أعطت طاعة يمنية * تواصفها أشياخها في المجالس فإن يفعلوا أصدم عليا بجبهة * تفت عليه كل رطب ويابس وإني لأرجو خير ما نال نائل * وما أنا من ملك العراق بايس ( 4 ) قلت : الجبهة هاهنا : الخيل ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله : ( ليس في الجبهة صدقة ) ، أي زكاة . * * *
--> ( 1 ) أقامهم على الخزاية ، أي حملهم على أمر يستحيا منه . ( 2 ) سورة الإسراء 33 . ( 3 ) البسابس : الأمور الباطلة . والأبيات والخبر في الكامل 1 : 326 . ( 4 ) الكامل : ( بيائس ) .